تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 164 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 164

164 : تفسير الصفحة رقم 164 من القرآن الكريم

** وَقَالَ مُوسَىَ يَفِرْعَوْنُ إِنّي رَسُولٌ مّن رّبّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رّبّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ
( شايخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون وإلجامه إياه بالحجة وإظهاره الاَيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر, فقال تعالى: {وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين} أي أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه, {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق, أي جدير بذلك وحري به, قالوا: والباء وعلى يتعاقبان يقال رميت بالقوس وعلى القوس, وجاء على حال حسنة وبحال حسنة, وقال بعض المفسرين: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق, وقرأ آخرون من أهل المدينة: حقيق عليّ بمعنى واجب وحق علي ذلك أن لا أخبر عنه إلا بما هو حق وصدق, لما أعلم من جلاله وعظيم شأنه {قد جئتكم ببينة من ربكم} أي بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلاً على صدقي فيما جئتكم به {فأرسل معي بني أسرائيل} أي أطلقهم من أسرك وقهرك, ودعهم وعبادة ربك وربهم فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل, وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن {قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين} أي قال فرعون لست بمصدقك فيما قلت ولا بمطيعك فيما طلبت, فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها إن كنت صادقاً فيما ادعيت.
فَأَلْقَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنّاظِرِينَ
( شا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {ثعبان مبين} الحية الذكر, وكذا قال السدي والضحاك, وفي حديث الفتون من رواة يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, قال {فألقى عصاه} فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون, فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل, وقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة, وقال السدي في قوله {فإذا هي ثعبان مبين} الثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر, ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك, وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل, فأخذها موسى عليه السلام فعادت عصا, وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا, وقال وهب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك قال نعم قال {ألم نربك فينا وليد} قال: فرد إليه موسى الذي رد, فقال فرعون: خذوه فبادر موسى {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} فحملت على الناس فانهزموا منها, فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً, وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت, رواه ابن جرير والإمام أحمد, في كتابه الزهد, وابن أبي حاتم وفيه غرابة في سياقه والله أعلم.
وقوله {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} أي أخرج يده من درعه بعد ما أدخلها فيه فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض, كما قال تعالى: {وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} الاَية, وقال ابن عباس في حديث الفتون: من غير سوء يعني من غير برص ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول, وكذا قال مجاهد وغير واحد.
قَالَ الْمَلاُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنّ هَـَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
( شاأي قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون موافقين لقول فرعون فيه بعدما رجع إليه روعه واستقر على سرير مملكته بعد ذلك قال للملأ حوله {إن هذا لساحر عليم} فوافقوا وقالوا كمقالته وتشاوروا في أمره كيف يصنعون في أمره وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره فيما يعتقدون فيكون ذلك سبباً لظهوره عليهم وإخراجه إياهم من أرضهم والذي خافوا منه وقعوا فيه كما قال تعالى: {ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا بما فيه اتفق رأيهم على ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى.
قَالُوَاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ
( شاقال ابن عباس {أرجه} أخره وقال قتادة احبسه {وأرسل} أي ابعث {في المدائن} أي في الأقاليم ومدائن ملكك {حاشرين} أي من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم وقت كان السحر في زمانهم غالباً كثيراً ظاهراً واعتقد من اعتقد منهم وأوهم من أوهم منهم أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل ما تشعبذه سحرتهم فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال {أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتيك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى} وقال تعالى ههنا:)
وَجَآءَ السّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوَاْ إِنّ لَنَا لأجْراً إِن كُنّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرّبِينَ
( شايخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة الذين استدعاهم لمعارضة موسى عليه السلام إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاء جزيلاً فوعدهم ومناهم أن يعطيهم ما أرادوا ويجعلهم من جلسائه والمقربين عنده فلما توثقوا من فرعون لعنه الله.
قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمّآ أَن نّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوَاْ أَعْيُنَ النّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
( شاهذه مبارزة من السحرة لموسى عليه السلام في قولهم {إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} أي قبلك كما قال في الاَية الأخرى {وإما أن نكون أول من ألقى} فقال لهم موسى عليه السلام ألقوا أي أنتم أولاً, قيلالحكمة في هذا والله أعلم ليرى الناس صنيعهم ويتأملوا فإذا فرغوا من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطلب له والانتظار منهم لمجيئه فيكون أوقع في النفوس وكذا كان ولهذا قال تعالى: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم} أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوا له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال كما قال تعالى: {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى}.
قال سفيان بن عيينة حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً, قال فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وقال محمد بن إسحاق صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى عليه السلام معه أخوه يتكى على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ثم قال السحرة {يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم} فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً وقال السدي كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل وليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم} يقول فرقوهم أي من الفرق وقال ابن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن هشام الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي بزة قال جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولهذا قال تعالى: {وجاءوا بسحر عظيم}.
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوَاْ آمَنّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ * رَبّ مُوسَىَ وَهَارُونَ
يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى عليه السلام في ذلك الموقف العظيم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه {فإذا هي تلقف} أي تأكل {ما يأفكون} أي ما يلقونه ويوهمون أنه حق وهو باطل قال ابن عباس فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته فعرفت السحرة أن هذا شيء من السماء ليس هذا بسحر فخروا سجداً وقالوا {آمنا برب العالمين رب موسى وهارون}.
وقال محمد بن إسحاق جعلت تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ووقع السحرة سجداً قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون لو كان هذا ساحراً ما غلبنا وقال القاسم بن أبي بزة أوحى الله إليه أن ألق عصاك فألقي عصاه فإذاهي ثعبان مبين فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم فألقي السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما.